أبي جعفر النحاس

154

اعراب القرآن

علي بن سليمان يقول : قلت لأبي العباس محمد بن يزيد لمّا احتجّ بهذه الحجج التي لا تدفع : ما هذا الذي قد وقع للكتّاب وأنس به الخاصّ والعامّ من كتب ذوات الياء بالياء حتى صار التعارف عليه فقال : الأصل في هذا أن أبا الحسن الأخفش كان رجلا محتالا لشيء يأخذه ، فقال لأبي الحسن الكسائي : قد استغنى من نحتاج إليه من النحو فنحتاج أن نجتمع على شيء نضطرهم إليه فاتّفقا على هذا وأحدثاه ، ولم يكن قبلهما ، وشاع في الناس لتمكن الكسائي من السلطان . ولعلّ بعض من لا يحصّل يتوهّم أنّ هذا مذهب سيبويه لأنه أشكل عليه شيء من كلامه في مثله قوله الياء في مثل سكرى وإنما أراد سيبويه أنها تثنّى بالياء ، وليس من كلام سيبويه الاعتلال في الخطوط . قال أبو جعفر : ثم رجعنا إلى الإمالة فحمزة يميل ما كان من ذوات الياء ويفخم ما كان من ذوات الواو ، والكسائي يميل الكل وأبو عمرو بن العلاء يتبع بعض الكلام بعضا فإن كانت السورة فيها ذوات الياء وذوات الواو أمال الكل ، والمدنيون يتوسطون فلا يميلون كلّ الميل ولا يفخمون كل التفخيم . قال أبو جعفر : وليس في هذه المذاهب خطأ ؛ لأن ذوات الواو في الأفعال جائز إمالتها ؛ لأنها ترجع إلى الياء فيجوز « والضحى » وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ممالا ، وإن كان يقال : سجا يسجو ؛ لأنه يرجع إلى الياء في قولك : سجيت . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 3 ] ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) قال الضحّاك : وما قلاك . قال أبو جعفر : العرب تحذف من الثاني لدلالة الأولى . يقال : أعطيتك وأكرمت ، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما ودّعك ربّك وما قلى قال : يقول : ما تركك وما أبغضك وحكى أبو عبيدة « 1 » : ودعك مخفّفا ، ومنع سيبويه « 2 » أن يقال : ودع ، قال : استغنوا عنه بترك . قال أبو جعفر : والعلّة عند غيره أن العرب تستثقل الواو في أول الكلمة لثقلها يدلّ على ذلك أنها لا توجد زائدة في أوّل الكلام ، وتوجد أختها الياء نحو يعملة ويربوع ، وأنك إذا صغّرت واصلا قلت : أو يصل لا غير ، وفي الجمع أواصل ، ويقال : قلاه يقلّيه إذا أبغضه ، ويقال أيضا : يقلاه . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 4 ] وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) الأصل أخير ثم خفّف لكثرة الاستعمال . [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 5 ] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 )

--> ( 1 ) انظر مجاز القرآن 2 / 302 ، والبحر المحيط 8 / 480 . ( 2 ) انظر الكتاب 1 / 50 .